الجمعة، يونيو 02، 2017

وقف الأخ (زايد) - في صباح يوم السادس من آب / اغسطس سنة 1966 - شاهرا السلاح في وجه أخيه الاكبر (شخبوط) مهددا إياه بالقتل إن لم يوافق على طلبات الممثل البريطاني السياسي المقيم في (أبو ظبي) والتي تتلخص في ترك قصر الحصن فوراً لزايد ومغادرة البلاد فورا، وقد تم لزايد ما أراد حيث تولى الحكم


لقد تولى أربعة من أولاد زايد الأول الحكم في جزيرة أبو ظبي وهم:
* طحنون من 1909 - 1912
* حمدان من 1912- 1922
* سلطان من 1922 - 1927
* صقر من 1927 – 1928
وقد تم اغتيال طحنون وحمدان في ظروف غامضة سهلت لسلطان - والد الرئيس الحالي - مهمة الاسيتلاء على الحكم، ولكن أخاه صقر تولى الحكم بعد موته ثم آل الحكم للشيخ شخبوط بن سلطان الذي انتزع السلطة من ابن عمه (محمد) الابن البكر لعمه البكر خليفة، وحكم شخبوط حتى عام 1966 ، وكان خلال حكمه يحرص على الاستئثار بكل دخل أبو ظبي من النفط وابقاء الجزيرة بعيدة عن المدينة والعمران حتى يتسنى له أن يسودها ، الأمر الذي لم يعجب الإنجليز حكام المنطقة الفعليين، والذين يستفيدون من اتفاقيات التنقيب عن النفط في الجزيرة من خلال شركة تطوير بترول الساحل المتصالح، فسعوا إلى إسقاط وتسليم الحكم لأخيه (زايد) المنشغل آنذاك بالصيد والتجارة في مدينة العين، بعد أن اشترطوا عليه - على زايد - أن يسلم الملايين التي كنزها شخبوط في البراميل للشركات الإنجليزية التي وعدت بتعمير الجزيرة وربطها بعجلة القرن العشرين.
كان زايد يعيش من جمع (الزكاة) عن محصول التمر في المدينة وفى ثلاث قرى أخرى في واحة البريمى، ولم يجمع الزكاة عن التمر في قرية (المويجعى) حيث كان يعيش هو لأن المنتوج ملك قبيلته، وكان يجمع الضربة عن الماء من جميع الذين يستفيدون منه عدا الأسرة الحاكمة.
لقد أعاد التاريخ نفسه من جديد، حيث وقف الأخ (زايد) - في صباح يوم السادس من آب / اغسطس سنة 1966 - شاهرا السلاح في وجه أخيه الاكبر (شخبوط) مهددا إياه بالقتل إن لم يوافق على طلبات الممثل البريطاني السياسي المقيم في (أبو ظبي) والتي تتلخص في ترك قصر الحصن فوراً لزايد ومغادرة البلاد فورا، وقد تم لزايد ما أراد حيث تولى الحكم.
وعمل خلال سنوات قليلة على (توحيد) الإمارات السبعة (المتخاصمة) وربطها بالإنجليز من خلال شبكة لاحدود لها من المصارف والشركات .. وليس عجيبا أن تحتل السفارة البريطانية في أبو ظبي أكبر مبنى في قلب العاصمة على مرمى حجر من قصر الحصن، إذ لازالت هذه السفارة الحاكمة الفعلية في الإمارة، والمسيرة لقصر الحصن، الذي شهد الكثير من المذابح والاغتيالات والانقلابات والقتل كان آخرها مقتل أولاد الشيخ شخبوط على يدي (مجهول).
إن قصة خلع الشيخ شخبوط وتولية زايد تستحق أن تروى بالتفصيل لأنها لخصت فيما انطوت عليه كل مآثر وتاريخ آل فلاح في الساحل العربي، هذا التاريخ المجبول على الغدر والتنكر للجميل والخيانة والعمالة للأجنبي وتجارة الرقيق والنساء والقرصنة.
شخبوط لم يكن بطلا أو مناضلا، وهو في أحسن الأحوال ليس بأفضل من سابقيه من آل نهيان، ولكنه تميز بخصلة واحدة دفع ثمنها كرسى الحكم، وهى كراهيته غير المحدودة للإنجليز .. هذه الكراهية التي جعلته يرفض الاستعانة بهم وبشركاتهم لتطوير الجزيرة.. لقد كان يرى أن الإنجليز هم وحدهم الذين سيستفيدون من أعمال البناء في الجزيرة لأن عائدات النفط سترد إليهم عبر مشاريع لن يستفيد منها البدو الرحل.. كان شخبوط يرى أن بدو الإمارات لن ينتفعوا من (محطة أقمار صناعية) و (مدن رياضية) و (مواخير تعمل تحت ستار الفنادق) ، ومحطات تلفزيونية ملونة إلى غير ذلك من مشاريع تكلف مليارات ولا تعود بفائدة على الشعب الجائع.
لقد أنفق زايد المليارات على هذه المشاريع، في الوقت الذي لازالت فيه قرى الإمارات تعانى من الفقر... وانقطاع الكهرباء.. وانعدام الخدمات اليومية.. وقلة المدارس والعيادات الصحية.
هناك مناطق كثيرة في الإمارات الشمالية تعانى من فقر ومجاعة كتلك التي تعانى منها أدغال إفريقيا، ولما بدأت مجلة (الأزمنة العربية) تفتح ملف (الوطن المنسي) وتسأل عن مصير المليارات التي تدخل في الحسابات الشخصية للحكام ، صدر قرار بإلغاء ترخيصها!!
كيف تولى زايد الحكم.. وما الظروف التي أحاطت بانقلابه على أخيه شخبوط .. وما الدور الذي لعبته السفارة الإنجليزية في هذا الانقلاب؟
ظل شخبوط ضد منح امتياز بترولي لشركة نفط العراق المملوكة لبريطانيا حتى يناير 1939 أي بعد سنة كاملة من قيام جيرانه الشيوخ بمنح الامتيازات لها، وبعد عشرين سنة على ذلك، اكتشف النفط بكميات تجارية على بعد 80 ميلا غرب أبو ظبي في جزيرة داس التي اغتصبها آل نهيان من قبيلة (المحاربة)، وقد ساء الإنجليز أن يمنع شخبوط واردات النفط عنها ويحرم شركاتها من استثماره ونهبه، فروجوا القصص الكثيرة عن (بخله) واستغلوا تبرعه بمائتي ألف جنيه إسترليني عام 1965 لضحايا الفيضان في العقبة/ الأردن ليؤلبوا عليه القبائل في (أبو ظبي) بدعوى انه يبذر أموال الجزيرة، كما دفعوا قبائل لقيطة (مثل القبيسات) إلى الهجرة أو التهديد بها لخلق ظروف داخلية مواتية لإسقاطه، ولعب هذا الدور شيخ القبيسات أحمد بن حامد وزير الثقافة والإعلام في أبو ظبي وصاحب قرار تعيين عدد من راقصات هز الوسط في وزارة الإعلام بوظيفة رئيس قسم وبشروط العقد الخارجي!!
بدأت وفود السلطات البريطانية تصل إلى الجزيرة لوضع تصوراتها وخططها حول أفضل السبل وأقصرها للتخلص من شخبوط والاستيلاء على عائدات النفط الضخمة دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر قد يغضب عبد الناصر، وفى هذا الاتجاه قام عضو مجلس العموم البريطاني (كريستوفر تجندات) بزيارة أبو ظبي في مايو/ أيار 1966 في مهمة استطلاع اكتشف خلالها أن شقيق الحاكم (زايد) يطمح بالحكم ويدين للإنجليز بالولاء وعلى اثر ذلك أوصى المذكور بدعوة (زايد) إلى لندن واستمالته والاتفاق معه على قلب نظام الحكم.
بعد ذلك بشهرين (في أواخر تموز/ يوليو) وصل زايد فعلا إلى لندن ونزل في قصره الذي اشتراه في بيكونزفيلد في باكنغهام شاير، وزار المقر الملكي في اسكوت، وقد تمت الزيارة تحت ستار تلبية دعوة خاصة من البنك العثماني، لكنه في الواقع كان ضيفا على المخابرات والخارجية البريطانية، وقد اجتمع بالشركات الإنجليزية العديدة ذات المصالح والمطامع في أبو ظبي، وفى تلك الزيارة تم ترتيب كل شئ، وعاد زايد إلى (أبو ظبي) وهو يحلم بالرئاسة والثروة معاً.شخبوط لم يستقل ولم يتنح وانما سقط بانقلاب عسكري بريطاني قاده في السادس من آب / أغسطس 1966 هيو بلفور بول نائب الممثل البريطاني السياسي المقيم، الذي دخل على رأس قوة عسكرية قصر الديوان الأميري في أبو ظبي ليبلغ شخبوط قرار بريطانيا بإقالته لصالح الشيخ زايد، الذي كان ينتظر على رأس قوة من رجال القبائل في مقر الشرطة المواجهة للقصر، وقد تولى العقيد البريطاني (بطس) مهمة مرافقة شخبوط -مخفورا - إلى مطار أبو ظبي، وكوفئ العقيد بطس على ذلك بتعيينه مستشارا عسكرياً للشيخ زايد!!
لقد عرف عن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كرمه الزائد ، خصوصا مع الوفود البريطانية التي تزور أبو ظبي، ولعلنا لا نذيع سراً حين نذكر أن المواطن البريطاني لا يحتاج إلى تأشيرة دخول مسبقة إلى أبو ظبي - بلده الثاني - بينما ينتظر العرب أمام سفارات الإمارات في دمشق والقاهرة وعمان أياما وأشهرا للحصول على أذونات السفر.. أو حتى زيارة قصيرة لأقاربهم.
مراسل رويتر كان أول من طير خبر تولى الشيخ زايد للحكم في بلاده ، وصحافة لندن كانت السباقة في الإشادة بحكمة الشيخ الجديد ومساوئ الشيخ شخبوط، أما بيان وزارة الخارجية والدافع كما جاء في المعاهدة القائمة بين الجانبين، ولم يوضح بيان الخارجية أسباب تولى اثنين من كبار موظفيها في أبو ظبي مهمة اقتحام القصر على رأس كشافة عمان المتصالحة ، ونقل شخبوط إلى المطار ثم تسفيره بطائرة عسكرية بريطانية إلى لندن، كما لم توضح الخارجية البريطانية - بعد ذلك - أسرار مقتل الشيخ سلطان الابن البكر لشخبوط، ولم نقرأ بعد ذلك شيئا عن مصير شخبوط وأولاده، حتى عندنا أذن له بالعودة إلى مدينة العين ليعيش باقي عمره رهين قصره، مرصودا من عيون الشيخ طحنون بن محمد حاكم المدينة!
في الحادية عشرة والربع من صباح السبت السادس من آب/ أغسطس عام 1966 - أي بعد أقل من أسبوع من عودة زايد من لندن - حطت طائرة تابعة للسلاح الجوى البريطاني في مطار أبو ظبي واعلنت حالة الطوارئ بين القوات الإنجليزية المرابطة في الجزيرة .. وعسكر زايد في مقر الشرطة في العاصمة على مقربة من السفارة الإنجليزية وقصر الحصن، يرافقه عدد من البدو المسلحين، بينما اقتحم (هيو بلفور بول) الممثل البريطاني السياسي المقيم قصر الحصن يرافقه العقيد (فريدى دى بطس) قائد القوات الإنجليزية في الجزيرة، ومعهما قرار الحكومة البريطانية بعزل شخبوط وتنصيب زايد بدلا منه، وتم نقل شخبوط إلى المطار وتسفيره إلى البحرين، ثم إلى بيروت فلندن حيث وضع تحت الإقامة والمراقبة في قصر كان يمتلكه هناك، وكما هو متوقع أصدرت الخارجية البريطانية بيانا زعمت فيه أن التغيير الذي حصل في أبو ظبي مسألة داخلية، وان بريطانيا مسؤولة عن الشؤون الخارجية فقط (إلى جانب الدفاع).. ولأن زايد يتمتع بوفاء فطرى متوارث وولاء آل نهيانى أصيل للإنجليز، فقد سارع باتخاذ أو قرار رئاسي في تاريخ عهده الزاهر وهو تعيين قائد القوة البريطانية التي اقتحمت القصر (العقيد فريدى) مستشارا عسكريا له، ثم عقد على الفور اتفاقيات مع شركة استشارات بريطانية ضمن برنامج (إنعاش) بلغت قيمته ستة ملايين جنيه إسترليني، وعهد إلى إحدى الشركات البريطانية الكبيرة بتخطيط المدن وبناء الطرق مقابل خمسة عشر مليون جنيه إسترليني.. وبعد سنوات قليلة تشققت الطرق، وتآكلت العمارات التي بنتها الشركة فاضطر زايد إلى عقد اتفاقات جديدة مع الشركات بلغت تكلفتها مليارات الدراهم، ولازالت الشركات الإنجليزية (تخطط) المدينة حتى الآن حيث تحفر شارعا وتردم آخر وتزيل دوارا وتبنى آخر.

ليست هناك تعليقات: