الأحد، يناير 29، 2017

مرن للغاية للعلمانية حين يتعلق الأمر بالكاثوليكية، وصارم حين يتعلق الأمر بالإسلام.

“تديُّن” مرشح الرئاسة الفرنسية فرانسوا فيون يُغضب الساسة والكاثوليك

“تديُّن” مرشح الرئاسة الفرنسية فرانسوا فيون يُغضب الساسة والكاثوليك
المصدر: باريس - إرم نيوز
“أنا ديغولي ومسيحي”.. بهذه العبارة قدّم المرشح اليميني للرئاسة في فرنسا فرنسوا فيون، نفسه، مؤخراً، لشرح موقفه من الجدل الدائر حول تديّنه، في سابقة من نوعها في هذا البلد العلماني، حيث لم يسبق لأي مرشح أن سلط الضوء على ديانته.
بَيْدَ أن تناول الديانة الكاثوليكية في الفضاء السياسي الإعلامي لم يكن أبدا ليمرّ دون أن يثير جدلا صاخبا، ويشكّل نقطة توقّف حول “نسبية” تديّن فيون، ليشعل كل ذلك جدلا في صفوف السياسيين خاصة المواطنين الكاثوليك.
فيون المعارض لقانون الزواج للجميع، وللسماح للمثليين بتبني أطفال، لا يخفي أيضا دعمه لتبني إطار سياسي قانوني يكون أكثر تناغماً مع الكاثوليكية.
وفي رسالة بعث بها إلى الأساقفة ونشرت في أكتوبر/ تشرين ثان الماضي، اقترح الرجل “إعادة قانون النسب لتغيير المبدأ القاضي بأن الطفل يشكل دائما ثمرة العلاقة بين أب وأم”.
وفي يونيو/ حزيران الماضي، كشف فيون أيضا، خلال اجتماع لليمين في باريس، أنه لا يمكنه “تأييد” الإجهاض بسبب “إيمانه الشخصي”.
“ديغولي مسيحي” في سياق انتخابي
تماما كما أحدث مفاجأة بفوزه في الاقتراع التمهيدي لليمين، فاجأ فيون، الرأي العام في بلاده بتصريحاته التي أدلى بها الاثنين الماضي، خلال مداخلة تلفزيونية له، حين قدّم نفسه مرشحا “ديغوليا” و”مسيحيا”، كعلامة لحملته الخالية من الشعارات. “تموقع عقائدي” لم يكن أبدا ليفوّته خصومه ممن استنكروا توظيفه للدّين لخدمة مشروعه الانتخابي.
فرانسوا بايرو، رئيس “الحركة الديمقراطية” (وسط) انتقد الأربعاء الماضي، في مقابلة تلفزيونية له، ما أسماه بـ “الخلط” بين السياسة والدّين من طرف فيون.
وقال:”لم أتمكّن من فهم ذلك، فأنا أعرف فرانسوا فيون منذ فترة طويلة، ولم أره أبدا يُدلي بتصريحات من هذا النوع” وتابع ” يعني ذلك أن له أغراضا انتخابية، لا أعرف كيف لشخص أن يسمح لنفسه أن يسقط في مثل هذه التجاوزات، وأعتقد أنه ينبغي وضع حدّ لهذا الخلط، ففرنسا تقوم على مبدأ عدم الخلط بين الدين والسياسة”.
أما هنري غيانو، النائب اليميني في الحزب الجمهوري عن إقليم “إيفلين”، فرأى من جهته في تصريحات فيون “خطأ أخلاقيا”. ولفت النائب، في تصريح أدلى به، لقناة “أل سي أل” الإخبارية، إلى أن الإشارة إلى ديانة المرشح يمكن أن تهدّد “تماسك الأمة”.
وأضاف “الإجابة عن سؤال حول الإيمان يمكن تفهّمها، لكن أن نجعل منه حجة انتخابية، فهنا يكمن الإشكال، لأنه لا يمكن أن ندّعي محاربة الطائفية والقول إننا مرشحون للمسيحيين، إنه خطأ أخلاقي، وهذا يزج بنا في متاهات خطيرة”.
انتقادات لاذعة استهدفت مؤخرا مرشح الرئاسة الفرنسية فيون بسبب إشاراته المتكررة إلى ديانته، لتُضاف إلى سيل  آخر من الانتقادات التي شملت برنامجه الانتخابي، حيث وصف بعض المعارضين بـ “الضعيف” خاصة فيما يتعلق بجانبه الاجتماعي.
وخلال لقاء تلفزيوني له على قناة “تي أف 1” الفرنسية، أسهب فيون في تفسير كيف أن تديّنه بالمسيحية يعتبر أحد جوانب شخصيته، ويجنّبه اتخاذ قرار “يتعارض مع احترام الكرامة الإنسانية واحترام الشخص، والتضامن”، في ردّ ضمني على الجدل الدائر حول إصلاح النظام الصحي، من خلال هيمنة شبه كاملة للتأمين التكميلي الخاص مع استثناء “حالات المرض الخطيرة أو المزمنة”.
تديّن فيون في مهب الريح
تديّن فيون لم يخل -رغم ما تقدّم- من تناقض مع مبادئ الكاثوليكية والقيم التي تدافع عنها الكنيسة، خاصة فيما يتعلّق بالنظام الاقتصادي.
ولتبيّن ذلك، ينبغي العودة إلى الفترة التي لم يكن فيها فيون مرشحا رئاسيا، وكان يسهم في بعض مشاريع القوانين التي تتعارض مع موقف الكنيسة منها.
ففي 26 نوفمبر/ تشرين ثان 2014، كان فيون من بين النواب الـ 27 من حزب “الجمهوريين” الذين صوّتوا لصالح مشروع قانون حول الإجهاض، اقترحه الحزب الاشتراكي، مع أن المشروع لم يحصل على تأييد سوى 151 برلمانيا من أصل 577.
وفي 28 يناير/كانون ثان من العام نفسه، ظهر تأييده أيضا لمشروع قانون “من أجل المساواة بين الرجال والنساء”.
أما بخصوص زواج المثليين، فدعا فيون إلى تحالف أكثر تقدّما من “اتفاق تضامن مدني”، والذي يمنح لأي شخصين في فرنسا، وبغض النظر عن جنسهما، أن ينظما بينهما عيشا مشتركا بتوقيع اتفاق تضامن في المحكمة.
مواقف أظهرت تناقضا بين الأمس واليوم، أو بالأحرى قبل الترشح وبعده، الأمر الذي رأى فيه جيرار فريتيليير، المستشار البلدي في مدينة “سابل يور سارث”، المعقل الانتخابي لفيون، أن الأخير يميل “في اتجاه الريح” بدل اتباع قواعد ايديولوجيا معيّنة.
وقال فريتيليير في تصريحات نقلتها صحيفة “لوموند” الفرنسية: “إن فيون مرشّح لليمين التقليدي لا أكثر”.
وأضاف أنه “لم يحدث أبدا، في المجلس البلدي وأن ركّز مرشح على تديّنه الكاثوليكي، ولقد كان مديرا أكثر منه منظّرا ايديولوجيا..إنه يميل إلى التحرك في اتجاه الريح، فلقد رأيناه يغير رأيه لمرتين أو ثلاث بشأن الموضوعات المهمة”.
من جهته، انتقد المدير السابق لمجلة “لوفيغارو”، باتريس دي بلونكيت، فيون لرؤيته الاقتصادية المتناقضة مع الكنيسة.
وقال في مقال نشره عبر مدوّنته إن “برنامجه يدير ظهره لانتقادات البابا للنظام الاقتصادي، ويناقض دعواته للخروج من النيوليبرالية”.
فيون الكاثوليكي والإسلام
تركيز فيون على إيمانه الكاثوليكي مكّنه من التشكيك  بمكانة الإسلام  بفرنسا، في سياق أمني هش للغاية منذ الهجمات الإرهابية التي استهدفت البلاد مطلع 2015.
فمنذ إطلاق حملته، لم يتردد المرشح اليميني في مناقشة حدود “دمج الدّين الإسلامي في الجمهورية”، في كتابه الصادر في سبتمبر/ أيلول الماضي بعنوان “هزيمة الشمولية الإسلامية”.
ودعا الرجل إلى تطويع الإسلام في فرنسا لقيم البلاد، كما يتّضح من رسالة توجّه بها إلى الأساقفة، تعهّد فيها بالعمل “من أجل إنشاء اسلام فرنسي يحترم قيمنا”.
فيون ذهب لأبعد من ذلك، حين أعرب في قصر المؤتمرات بالعاصمة باريس، قبل الدور الأول للانتخابات التمهيدية لليمين في 20 نوفمبر/ تشرين ثان الماضي، عن رغبته في فرض “رقابة إدارية صارمة على الدّين الإسلامي طالما أنّ ارتباطه بالجمهورية لن ينتهي”.
تباين لافت في تموقع المرشح الرئاسي حيال المسيحية والإسلام، يتجلّى حتى من خلال تبنّيه لتعريف مرن للغاية للعلمانية حين يتعلق الأمر بالكاثوليكية، وصارم حين يتعلق الأمر بالإسلام.
ففي رسالته إلى الأساقفة، دافع عن رؤية للعلمانية لا تتعارض مع الحرية الدينية، قائلا: “حذاري من السعي إلى التصويت على قوانين لزيادة تشديد قواعد العلمانية، لأننا نخاطر بالمساس بالحرية الدينية، وهذا ما لا أقبله”.
في المقابل، اعتبر فيون في إحدى كتبه أنه يتعيّن على المسلمين أن يكونوا “أكثر توافقا” مع العلمانية في فرنسا.
وأضاف :”يتحتّم على الدّين الإسلامي أن يقبل كلّ ما قبلت به الكاثوليكية في السنوات الماضية، وهذه هي بالنسبة لي العلمانية، بمعنى أننا لا نفرض على المسلمين قيودا مفتعلة، غير أننا لن نغيّر الجمهورية لتتلاءم مع الإسلام”.

ليست هناك تعليقات: